التربية البيئية من منظور إسلامي -موقع الدكتور نظمي خليل أبو العطا
   
الإسلام و البيئة >> التربية البيئية من منظور إسلامي
 
 
.
21/03/2007
التربية البيئية من منظور إسلامي
 
 
 
 

- تعاريف .

- الإسلام والتربية البيئية .

- القرآن الكريم والتربية البيئية .

- السنة النبوية المطهرة والتربية البيئية .

- عناية الإسلام بالتربية الدينية .

- التراث الإسلامي والتربية الدينية .

التربية البيئية من منظور إسلامي

مقدمة :

- التربية البيئية عملية إعداد للإنسان للتفاعل مع البيئة الطبيعية بما تشمله من موارد مختلفة ، فهي عملية توجيه للسلوك نحو المحافظة على البيئة وتنميتها .

- وقد عنى الإسلام عناية بالغة بالتربية البيئية ، فالبحث والدراسة والفهم لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وموضوعات الفقه الإسلامي ، وتاريخ الخلفاء الراشدين والتابعين ، والتراث الإسلامي ، بالبحث والدراسة في هذه المصادر ، نرى أن الإسلام قد تعهد المسلمين بالتربية البيئية بمعناها الشامل والمتكامل مما انعكس على سلوكيات المجتمع المسلم ، وهذا ما سنوضحه في الوريقات القليلة القادمة بإذن الله .

- هذا وبالله التوفيق .

أولاً : تعاريف :

البيئة :

البيئة هي الإطار الذي يحيا فيه الإنسان ويستمد منه كل مقومات حياته ، وبقدر ما يُحسن الإنسان التعامل مع بيئته ( بالتربية البيئية ) ويعمل على تنميتها واستغلال مصادرها استغلالاً راشداً فإنه يستطيع المحافظة على معيشته وإشباع حاجاته وتطوير أساليب حياته .

علم البيئة :

علم البيئة هو العلم الذي يبحث في المحيط الذي تعيش فيه الكائنات الحية ، ويدعى أيضاً بالمحيط الحيوي ، والذي يتضمن بمعناه الواسع العوامل الطبيعية والاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تؤثر على أفراد وجماعات الكائنات الحية وتحدد شكلها وعلاقاتها وبقاءها .

التربية البيئية :

التربية البيئية عملية إعداد الإنسان للتفاعل مع البيئة الطبيعية بما تشمله من موارد مختلفة ، ويقولون أيضاً هي عملية توجيه للسلوك نحو المحافظة على البيئة .

- ويجب أن نميز بين دراسة البيئة والتربية البيئية ، فالدراسات البيئية تقتصر على إمداد ( المتعلم ) بالمعلومات والحقائق والمفاهيم البيئية في المجالات والتخصصات المختلفة دون الاهتمام بتوجيه وتعديل أنماط السلوك .

- أما التربية البيئية فتهدف إلى معايشة ( المتعلم ) للمشكلات البيئية وتنمية مهارته التي تساعده على صيانة بيئته وتنمية مواردها ، مع اكتساب المتعلم القيم والاتجاهات الإيجابية نحو حماية البيئة وتحسينها بقصد إعداد ( تربية ) جيل واع بيئته الطبيعية والاجتماعية والنفسية .

الإسلام :

- قال الراغب الأصفهاني : الإسلام هو الانقياد للحق والإذعان له وقوله { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ } [المائدة : 44] ، أي الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من أولي العزم وقوله تعالى : { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } [يوسف : 101] .

والإسلام في الشرع على ضربين :

أحدهما دون الإيمان وهو الاعتراف باللسان .

والثاني فوق الإيمان وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ، ووفاء بالفعل واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر .

- والإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه ونهى عن تجاوز حدوده ، وإن من ارتكب شيئاً من المحرمات فقد تعدى حدوده ( أي حدود الله ) .

- والإفساد في البيئة من بعد حدود الله والبعد عن الاستقامة .

الإسلام والتربية البيئية

من التعريفات السابقة نفهم أن التربية البيئية عملية إعداد وتوجيه للفرد نحو التفاعل السليم مع البيئة ، فهل اهتم الإسلام بالتربية البيئية ؟

- يرى الدارس العلمي للإسلام أن القرآن الكريم وجه سلوك المسلمين وأعدهم للحفاظ على البيئة والاهتمام بها أعدهم للتفاعل الإيجابي مع البيئة ، ووجه سلوكهم نحو دراستها والحفاظ عليها ، وكذلك فعلت السنة النبوية المطهرة ، ولذلك لم يُفسد السلف الصالح في الأرض في يوم من الأيام ، وكذلك فعل المسلمون من بعدهم إلى أن تخلف المسلمون فبدأت المشاكل البيئية تظهر في حياتهم وتتناسب تناسباً طردياً مع بعدهم عن الهدى العلمي الإسلامي للتربية البيئية والحفاظ على نعم الله الأرضية .

- من هنا فإن المسلمين عندما تمسكوا بالإسلام لم يفسدوا في الأرض وأن الإفساد المادي والخلقي في البيئة الأرضية ليس من نتاج التربية البيئية الإسلامية بل هو نتاج التربية المادية البعيدة عن الهدى الإسلامي في الحفاظ على البيئة .

القرآن الكريم والتربية البيئية

بالبحث والدراسة والفهم لآيات القرآن الكريم نرى أن القرآن ربى المسلمين على التربية البيئية بمعناها الشامل والمتكامل ، وربط الإنسان بالسلوك البيئي الإيجابي برباط وثيق يترتب عليه الحياة الآمنة المطمئنة في الدنيا ، والسعادة الأبدية في الآخرة ؛ وفيما يلي بيان لبعض ذلك :

أولاً : خلق الله سبحانه وتعالى الأرض مذللة للإنسان لينة سهلة ، وعلَّمنا كيف نستغل مواردها ونعمها الإلهية الاستغلال العلمي الخلقي الأمثل ، وربط حياة الإنسان الدنيوية بهذه الموارد قال تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [الملك : 15] .

وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 29] .

- فكل شيء في الأرض من مخلوقات حية وغير حية وقوانين تحكمها وعوامل تتحكم فيها ، خلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان وجعلها سبحانه في خدمة البشرية ومنفعتها .

- وفي هذا دعوة للعمل والاجتهاد واستغلال الموارد الأرضية ، وربط هذه الأرزاق بالله سبحانه وتعالى وأن الله إليه المآب والنشور ، وفي يوم الحساب يحاسب الإنسان على كل فعل صغيراً كان أو كبيراً صالحاً أم طالحاً { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الكهف : 7 ] ، والعمل في الإسلام بمعناه الشامل والحقيقي يشمل العبادة والأنشطة الأخرى من زراعة وصناعة وتجارة وتربية وتعليم وغير ذلك ، وبهذا يلزم الله سبحانه وتعالى الإنسان بالاستغلال الأمثل

 { أَحْسَنُ عَمَلًا } لتلك الموارد الأرضية وربطها بالثواب والعقاب والحساب ، وبذلك يربي الله سبحانه وتعالى في الإنسان قيمة الحفاظ على الموارد الأرضية ، وهنا يتضح الفارق بين التربية البيئية المادية ، التي تخترق كل يوم في البيئة الأرضية من أصحاب الحضارات المادية ، والتربية البيئية الإسلامية التي ربطت السلوك بالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .

ثانياً : خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء في الكون بالحق وبقدر معلوم وفي أحكام عجيب واتزان معجز { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ } [الملك : 3 ] .

- ويعلم الله سبحانه وتعالى الإنسان أنه لم يخلق شيئاً في الكون عبثاً أو عشوائياً ، ولم توضع أي شيء في غير موضعه لأن ذلك يتنافى مع حكمة العليم الخبير { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } [السجدة : 7] .

- وقرر القرآن الكريم أن كل شيء خُلق بقدر معلوم { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر : 49] ، وقال تعالى : { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } [الحجر : 19] .

- وهذا الخلق الموزون يؤدي إلى التوازن الناتج عن التفاعل والتكامل والتنوع والإنتاج قال تعالى : { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ، وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ، فَبِأَيِّ آلَاء ربكما تُكَذِّبَانِ } [الرحمن : 5- 13] .

- وهذه تربية للإنسان حتى لا ينحرف عن قوانين الله ونظامه الكوني البديع لأن في ذلك ضياعاً للاتزان ، يؤدي إلى الهلاك وإفساد النظام الكوني البديع .

 من هنا يعلم الإنسان ويتعلم أن العدل والاعتدال والاتزان والحسابات العلمية قيم مطلوبة شرعاً من كل إنسان وفي كل شيء في البيئة الأرضية .

- فكمية المياه في الكون محسوبة وثابتة ومقدرة وموزونة { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ } [المؤمنون : 18] .

ثالثاً : وعلم الله الإنسان أن يمنع أخاه الإنسان من الإفساد في البيئة الأرضية قال تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ الله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [البقرة : 251] .

- وأمرنا الله بالدفاع عن البيئة الأرضية المشيدة وخاصة أماكن التربية والتنشئة وتعديل السلوك بالتعلم قال تعالى : { وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا } [الحج : 40] .

- وحذر الله الإنسان من عاقبة سلوكه الخاطئ في النظام البيئي والإفساد في الأرض وأن ما يترتب على ذلك من خلل هو من صنع الإنسان قال تعالى : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [آل عمران : 182] .

- وفي هذا تربية على الإصلاح في البيئة وبيان النتائج السلوك الخاطئ وقد جعل الله سبحانه وتعالى الإصلاح في البيئة من العمل الصالح وعد الله سبحانه وتعالى الإفساد في الأرض من الأعمال السيئة التي يعاقب عليها العبد في الدنيا والآخرة قال تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الكهف : 7] .

- والعمل هنا يشمل كل الأنشطة البشرية من عبادات ومعاملات وتعمير واستثمار وحماية وزراعة وتشجير وتربية وغير ذلك .

- قال تعالى : { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [القصص : 77] .

- فإذا أحسن الله إلى الإنسان بالبيئة المتزنة عليه أن يحسن بالحفاظ على مواردها واستغلالها الاستغلال العلمي الأمثل وعدم الإفساد فيها أو الإخلال باتزانها .

- وإذا أحسن الله إلى الإنسان بالعلم البيئي عليه أن يُحسن بتطبيق هذا العلم في الإصلاح والعمل الحسن والبعد عن الإفساد والعمل الفاسد .

- وإذا أحسن الله الإنسان بالقدرة على التعلم البيئي ، أحسن الإنسان بالتعلم في مجال البيئة ونشر العلم البيئي الهيئات العلمية المحققة لذلك .

والإفساد في الأرض يشمل الإفساد المادي بتخريب العامر وإماتة الأحياء وتلويث الطاهرات وتبديد الطاقات واستنزاف الموارد في غير حاجة أو مصلحة وتعطيل المنافع وأدواتها ، كما يشمل الإفساد المعنوي كمعصية الله تعالى ومخالفة أمره والكفر بنعمته والتمرد على شريعته والاعتداء على حرماته وإشاعة الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وترويج الرذائل ومحاربة الفضائل ، وتقديم الأشرار وتأخير الأخيار .

ومن ذلك ما كان من قوم لوط الذين شذوا عن الفطرة وحادوا عن سواء السبيل ، وأتوا فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين ، حيث أتوا الذكران من العالمين وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم . . . فدعا عليهم نبيهم لوط في مرارة وحرقة ، إذا قال : { رب انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } [العنكبوت : 30 ] .

- وهنا نزل بهم العقاب ردعاً لإفسادهم وتربية لمن بعدهم التربية السليمة .

رابعاً : ربى الله سبحانه وتعالى المسلمين على تجنب التلوث الضوضائي سابقاً بذلك التربية البيئية الحديثة ، وحذرنا من الصوت المرتفع بلا حاجة ، ورغبنا في خفض الصوت بعداً عن الإزعاج فكان من تربية لقمان لابنه { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [لقمان : 19] .

وفي هذا تربية للأجيال وتنفير للمسلمين من ارتفاع الصوت ، وربط ذلك بصوت الحمير ليصبح مثيراً شرطياً للبعد عن القدر المطلوب في الصوت .

- وعلم الله سبحانه وتعالى المسلمين غض صوتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأثناء الصلاة قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [الحجرات : 2] .

وقال تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً } [الإسراء : 110] .

- وقد ذم الله سبحانه وتعالى المشركين بقوله : { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } [الأنفال : 35] ، أي صفيراً وتصفيقاً وضجيجاً ، وهذا السلوك يتنافى مع تربية الخشوع والانضباط عند الاجتماع في البيت الحرام وأماكن تجمع المسلمين وصلاتهم .

خامساً : نفَّر الله سبحانه وتعالى من الإفساد في الأرض بربطه باللعنة وعدم العلم والفهم والتعلم قال الله تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [محمد : 22- 23] .

وقال تعالى عن هذا الصنف الضال المفسد في الأرض : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ والله لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ } [البقرة : 205] .

سادساً : جعل الله سبحانه وتعالى الاعتدال في السلوك وعدم التصنع فيه من الأعمال الصالحة ، وبغَّض في السلوك غير المعتدل وغير السوي قال تعالى : { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا } [لقمان : 18] .

سابعاً : أعلمنا الله سبحانه وتعالى وعلمنا وربانا على أن الفساد في البيئة الأرضية والبيئة البحرية جاء نتيجة للأنشطة البيئية الخاطئة للناس قال تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } [الروم : 41] .

حيث قطعوا الغابات وأهلكوا الحيوانات والكائنات الحية الدقيقة وانتهكوا الحرمات وألقوا بمخلفات سفنهم ومفاعلهم النووية ونفاياتهم الذرية ومخلفات مصانعهم في البر والبحر وما يرتبط بهما من جو مما يترتب عليه فساد كبير لجميع المخلوقات الحية الأرضية والمكونات غير الحية وأفسدوا الدورات الحيوية والفيزيائية والكيماوية التي خلقها الله بقدر معلوم .

ثامناً : ربىَّ الله سبحانه وتعالى المسلمين على أهمية النبات للحياة ولفت أنظارهم إلى دورات حياة النبات ومراحل نموه وأهميته في الحياة .

قال تعالى : { إِنَّ الله فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ الله فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [الأنعام : 95] .

وقال تعالى :

 { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } [النمل : 60 ]

 ، ويعدلون : ينحرفون عن الحق إلى الباطل ، وقال تعالى : { وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [الأنعام : 99 ] .

- فقد ربط الله بين الإيمان به ومراحل نمو النبات في هذه الآية في إعجاز معجز ليربط الإنسان بمصدر الحياة على الأرض ( النبات ) ، كما عرف الله عباده بصفاته وأسمائه وقدرته ببيان عظمة خلقه ، وأسس العقيدة على هذا الأساس العلمي المتين .

تاسعاً : نبه القرآن الكريم الإنسان إلى أهمية الموارد البيئية ففي سورة النحل نبه على الثروة الحيوانية وما ينتج عنها من ( إنتاج حيواني ) . قال تعالى : { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } [النحل : 5 ] .

- وقال سبحانه : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } [النحل : 66] .

كما بين سبحانه أهمية النحل قال تعالى : { وَأَوْحَى ربك إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ ربك ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [النحل : 68-69 ] .

- وفي البند قبل السابق ( ثامناً ) بينا أهمية الثروة النباتية ، والتربية على غرسها وتنميتها والاستفادة منها .

- وبين سبحانه أهمية الثروة البحرية وعلم المسلمين كيف يشكرون هذه النعمة قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل : 14] .

- وبين سبحانه أهمية الحديد والنحاس والجبال والشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الموارد البيئية قال تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [النحل : 12] .

وللأهمية الكونية البيئية للماء ، وأنه سائل الحياة المعجز ، وبين الله سبحانه وتعالى في آيات عديدة أهمية الماء ودورته في الحياة وبين سبحانه أنه خلق الإنسان من الماء ، وخلق منه الدواب ، وأنه يستخدم في الشرب وسقاية الزرع ، ويخرج به ما ينبت في الأرض ، ويخرج به الثمار ، ويحي به الأرض بعد موتها ، ويحي به البلدان ، وأنه يستخدم في التطهير ، وضرب به الأمثال والآيات في ذلك تصل إلى ( 63 ) آية .

عاشراً : نبه الله سبحانه وتعالى المسلمين إلى أهمية المحافظة على الحياة الفطرية والبرية بأن حرم على المسلمين صيد البر وقطع النبات في موسم الحج في أماكن تجمع المسلمين من جميع بقاع الأرض في مكة وغيرها قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } [المائدة : 95] .

وقال تعالى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ الله الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [المائدة : 96] .

وهذا تربية للحفاظ على البيئة من الرعي الجائر ، والأمثلة على ذلك كثيرة .

ثانياً : السنة النبوية المطهرة والتربية البيئية

جاءت السنة النبوية المطهرة تطبيقاً عملياً ، وتفصيلاً واقعياً لما حواه القرآن الكريم في إعجاز وإيجاز للتربية البيئية ، وهذا ما سنبينه فيما يلي :

أولاً : أعلمنا وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنظيف الشوارع والطرقات والحفاظ عليها من الهدى العلمي النبوي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إماطة الأذى عن الطريق صدقة ) ، ويكون ذلك بشق الطرق وتعبيدها وصيانتها ووضع العلامات الإرشادية عليها وتنظيمها وتجميلها والالتزام بحق الطريق برد السلام وكف الأذى عن الطريق بالالتزام بخلق الطريق وسلوكه والسرعة المقررة والالتزام بالعلامات المرورية والإشارات الضوئية ، وغض البصر عن المحرمات أثناء الجلوس في الطرقات والمرور فيها .

- عن بريدة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة ) ، قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله ، قال : ( النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق ) ، وقد انعكست آثار هذه التربية والهدى العلمي النبوي على سلوك المسلمين وخاصة جيل الصحابة ( رضوان الله عليهم ) وأبناءهم وتلاميذهم ، فعن المستنير بن أخضر ابن معاوية عن أبيه قال : كنت مع معقل بن يسار رضي الله عنه في بعض الطرقات فمررنا بأذى فأماطه – أو نحَّاه – عن الطريق فرأيت مثله فأخذته فنحيته فأخذ بيدي وقال : يا ابن أخي ما حملك على ما صنعت ؟ قلت يا عم : رأيتك صنعت شيئاً فصنعت مثله . فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أماط الأذى عن طريق المسلمين كتبت له حسنة ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة ) ، رواه الطبراني في الكبير ، ورواه البخاري في الأدب المفرد بصيغة أخرى ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له فغفر له ) .

وفي رواية لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين . ومن حق الطريق في الإسلام غض البصر وإماطة الأذى كما هو معلوم لنا جميعاً .

ثانياً : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحافظة العملية على البيئة المائية من التلوث ، وأرشدنا إلى عدم استخدام الماء الملوث ، وربانا على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ) .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الملاعن الثلاث "البراز في الموارد ومنها موارد الماء" وقارعة الطريق والظل ) .

- كما حرمت السنة المطهرة الإسراف في استخدام الماء فقد مر رسول صلى الله عليه وسلم بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال له : ( لا تسرف ) ، فقال : أو في الماء إسراف ؟ قال : ( نعم وإن كنت على نهر جار ) . رواه ابن ماجة وفي هذا الموقف التربوي التعليمي عملية للمسلمين للحفاظ على الماء من الهدر .

ثالثاً : ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على الحفاظ على الحيوان والتوازن البيئي والبعد عن إبادة الحيوان حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأخرج متاعه من تحتها ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار ، فأوحى الله إليه فهلاً فهلة واحدة ) .

- وفي هذا تربية نبوية شريفة ، وهدى علمي بيئي في الحفاظ على التوازن البيئي . وعدم إبادة الفونا البيئية .

- كما أمرنا صلى الله عليه وسلم بالرفق بالحيوان والحفاظ عليه من الهلاك والتعذيب قال صلى الله عليه وسلم : ( عذبت امرأة في هرة أوثقتها فلم تطعمها ولم تسقها ، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ) .

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينا رجل يمشي ، فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ، فخرج منها فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من شدة العطش ، قال : لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم ، امسكه بفيه ، ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله وأن لنا في البهائم أجراً ؟ قال : في كل كبد رطبة أجر ) .

- وفي هذا الموقف التربوي العظيم يجسد الرسول صلى الله عليه وسلم المشهد الرائع للعطش والرفق بالحيوان وربط ذلك بمغفرة الله فاستجاب الصحابة ( المتعلمون ) استجابة عالية للموقف التربوي الممتاز .

رابعاً – نبه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى خطورة مصادر الحريق وعلم المسلمين الأمن والسلامة في البيئة المنزلية فقال : ( لا تتركوا النار في بيوتكم حين تناموا ) ، رواه البخاري .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( غطوا الإناء وأوكئوا السقاء وأغلقوا الباب ، فأطفئوا السراج فإن الشيطان لا يحل سقاء ولا يفتح باباً ولا يكشف إناء ، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً ويذكر اسم الله فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بينهم ) .

وهذا هو الهدى العلمي التربوي البيئي ضمان لعدم سقوط الحشرات والفئران في السقاء ، وتجنب الحرائق بسبب الفئران والقوارض التي قد تسبب في إحداث الحريق ونقله إلى أقسام وحجرات البيت وسائر والبيوت المجاورة .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( طهور أناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أولهن بالتراب ) .

ولقد انتقل أثر التدريب والتعلم إلى الصحابة فحافظوا على البيئة ، فقد جاء في خطاب تعيين أحد ولاة المسلمين من قبل أمير المؤمنين على أهل قرية : (( جئت إليكم لأحكم بينكم بكتاب الله ولأقم ( أنظف وأكنس ) لكم الطرقات )) .

- وقال الفاروق لو أن بغلة بالعراق تعثرت لسئل عمر لماذا لم يمهد الطريق .

خامساً : أرشدنا الهدى العلمي التربوي النبوي إلى التربية للأمان الميكروبي بتجنب جراثيم العدوى وخاصة الخطيرة منها فقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها ولا تخرجوا منها ) ، وهذه تربية إسلامية للحجر الصحي وحصر انتقال العدوى وانتشارها والعمل على رعاية المصابين وعدم تركهم دون رعاية .

سادساً : حرم الإسلام في الحروب استخدام أسلحة الدمار الشامل وحرق الزرع وقتل الماشية والأطفال والنساء فقد روى أبو داود الوصية التالية للجنود ( بسم الله وفي سبيل الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً وفي رواية أخرى ولا تقطعوا شجراً ولا تحرقوا زرعاً ) . وهذه تربية بيئية إسلامية سباقة .

ثالثاً : عناية الإسلام بالتربية الأسرية البيئية

الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الفرد السلوك البيئي الأمثل ولقد عنى الإسلام بالتربية البيئية الأسرية منذ كان الفرد في أصلاب آبائه وذلك باختيار النطف البشرية والحفاظ عليها من الخلط العشوائي غير المنتظم وغير المتحكم فيه بأن جعل الزواج هو المنفذ الوحيد والطريق الشرعي لإنتاج الذرية والتقاء الأمشاج البشرية ، وجعل إعلان الزواج من الفوارق بين السفاح والنكاح ، كما شرع الإسلام العدة للتأكد من براءة الرحم ، وحرم الإسلام الزنى تحريماً قاطعاً { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [النور : 3] .

-كما حمى الإسلام البيئة الرحمية ( البيئة الأولى التي ينشا فيها الإنسان ) وأحاطها بسياج عظيم وميثاق غليظ بين الرجل والمرأة ، وحرم المسكرات والمفترات حماية للبيئة الرحمية للإنسان فلا يدخل إلى البيئة الرحمية إلا ما يغرسه الزوج بنفسه ، وما لا يضر بالبيئة الرحمية ضماناً لبيئة جنينية صحيحة .

- وأوجب الإسلام مسؤولية الأب عن الجنين لأنه من رعيته ، ( وكلكم راع ومسئول عن رعيته ) ، كما قرر النفقة على الحامل ، وحمايتها اجتماعاً وفي هذا حماية للجنين وتأمين لتوفير بيئة رحمية صالحة ، كما انتقلت هذه العناية إلى البيئة المنزلية التي يولد فيها الإنسان وينشأ ، وفي ذلك حماية لكل البيئات التي يعيش فيها الإنسان بالتربية والتعليم .

رابعاً : التراث الإسلامي والتربية البيئية

عنى الفقه الإسلامي بالبيئة عناية كبرى ، ومن الكليات الخمس الإسلامية الحفاظ على النفس والمال والعرض والنسل ، وعنى الإسلام بالطهارة ونظافة المياه ومصادرها ، وحرم قطع النبات في الحج ومن قواعد الفقه الإسلامي أن الضرر يرفع ودرء المفاسد ( ومنها المفاسد البيئية ) مقدم على جلب المكاسب .

كما عنى المسلمون بتدوير المخلفات البيئية والحفاظ على الحيوان فحرم إسحاق بن حنين استخدام السم في التجارب على الحيوان وإبادتها وفي كتب التراث العديد من الأمثلة على تدوير القمامة والاستفادة من الذبائح ومخلفاتها .

الجاحظ وتدوير المخلفات المنزلية :

ورد في كتاب البخلاء للجاحظ ما يثبت سبق المسلمين إلى ذلك .

فقد كان سعيد ينهى خادمته أن تخرج الكساحة من الدار ، وأمرها أن تجمعها من دور السكان وتلقيها على كساحتهم ، فإذا كان في الحين جلس وجاءت الخادمة ومعها زنبيل فعزلت بين يديه من الكساحة زنبيلاً ثم فتشت واحداً واحداً ، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلي فسبيل ذلك معروف .

وأما ما وجد فيه من الصوف فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذع "كساء ظهر الدابة" وكذلك قطع الأكسية .

وما كان من خرق الثياب فمن أصحاب الصينيات والصلاحيات .

وما كان من قشور الرمان فمن الصباغين والدباغين ، وما كان من القوارير فمن أصحاب الزجاج ، وما كان من نوى التمر فمن أصحاب الخشوف ( بفتح الخاء وضم الشين ) . وما كان من نوع الخوخ فمن أصحاب الغرس ، وما كان من المسامير وقطع الحديد فللحدادين ، وما كان من القراطيس فللطراز ، وما كان من الصحف ورؤوس الحديد فللحدادين ، وما كان من قطع الخشب فللأفاكين ( صانعوا براذع الحمير ) وما كان من قطع العظام فللوقود ، وما كان من قطع الخزف فللتنانير "الأفران" الجدد . وما كان من أشنج "أي الحسي" فهو مجموع للبناء ثم يحرك ويثأر ويخلل حتى يجتمع قماشه ( بضم القاف وهي الأشياء القابلة للاحتراق ) ثم يعزل للتنور ، وما كان من قطع القار "الزفت" بيع من القيار ، فإذا بقى التراب خالصاً وأراد أن يضرب منه اللبن ( بكسر الباء ) . أي الطوب الأخضر للبيع والحاجة إليه ، ولم يتكلف الماء ولكن يأمر جميع من في الدار ألاَّ يتوضئوا ولا يغتسلوا إلا عليه ، فإذا ابتل ضربه لبناً"أيا طوباً" وهكذا عرف أبو سعيد تدوير الكساحة والقمامة والانتفاع بكل شيء فيها حتى التراب .

معاذة العنبرية والاستفادة العلمية من مخلفات الذبائح

وسبقت معاذة العنبرية التي ورد ذكرها في كتاب البخلاء للجاحظ علماء البيئة والاقتصاد والصحة في الاستفادة العلمية من كل شيء في الذبيحة حتى دمها ، ذلك الدم الذي ينتسب في كثير من المشكلات البيئية في المسالخ التي لا التي لا تحافظ على البيئة من مخلفاتها ، كما سبقت معاذة العنبرية الداعين إلى استغلال مخلفات الذبائح من الجلود والعظام والدهون استغلالاً علمياً سليماً محافظاً على البيئة وصديقاً لها .

فلقد أهدى إليها ابن عم لها أضحية فرآها رجل كئيبة حزينة مفكرة مطرقة فقال لها ما لك يا معاذة ؟ قالت : أنا امرأة أرملة ، وليس لي قيم ( بفتح القاف وتشديد الياء مع كسرها ) ، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي ، وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه ، وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة ، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها ، وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا في غيرها شيئاً ولا منفعة فيه ، ولكن المرء يعجز لا محالة ، ولست أخاف من تصنيع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير .

استغلال كل شيء في الذبيحة :

قالت معاذة العنبرية : أما القرن فالوجه فيه معروف ، وهو أن يجعل منه كالخطاف ويسمر في جذع من جذوع السقف ، فيعلق عليه الزبل ( بضم الزال وتشديدها وتسكين الياء ) والكيران ، وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل والسنانير ( القطط ) وبنات وردان ( الصراصير ) والحيات وغير ذلك .

وأما المصران فإنه لأوتار المندفة ، وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة ، وأما قحف ( بكسر القاف ) الرأس واللحيان ( عظم الفلك ) وسائر العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ، ثم يطبخ ، فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها فلم ير الناس وقوداً قط أصفى ولا أحسن لهباً منه ، وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر لقلة ما يخالطها من الدخان ، وأما الإهاب فالجلد نفسه جراب ، وللصوف وجوه لا تعد ، وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف .

ثم قالت : بقي الآن علينا الانتفاع بالدم ، وقد علمت أن الله عز وجل لم يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها وأن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به ، صار كيه في قلبي وقذى في عيني وهماً لا يزال يعاودني .

قال الراوي : فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت فقلت ينبغي أن يكون قد انفتح لك بابا للرأي في الدم قالت : أجل ذكرت أن عندي قدوراً شامية مجدداً وقد زعموا : أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها ، من التلطيخ بالدم الحار الدسم ، وقد استرحت الآن إذ وقع كل شيء موقعه قال : ثم لقيتها بعد ستة أشهر ، فقلت لها : كيف كان قديد "اللحم المقدد" تلك ؟ قالت : بأبي أنت : لم يجيء وقت القديد بعد . لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعرق وفي غير ذلك معاش . ولكل شيء إبان .

وبذلك سبقت معاذة العنبرية علماء التربية البيئية في بيان أهمية كل مخلفات الذبائح وكيف يستفاد بها ، وعلمتنا أن الله لم يخلق أي شيء عبثاً في هذه الحياة . وعلمتنا كيف نربي المتعلمين والأفراد على استغلال مخلفات الذبائح .

خاتمة

وهكذا من يطلع على الكتاب والسنة وتراث الأمة الإسلامية يجد أن التربية البيئية ركن رئيس في آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية المطهرة وأبواب الفقه وموضوعات الأدب والدين في التراث الإسلامي .

المصادر

1- القرآن الكريم .

2- ابن قيم الجوزية : زاد المعاد في هدي خير العباد ، جمعية إحياء التراث ، الكويت ( 1996 ) .

3- ابن رجب الحنبلي ، جامع العلوم والحكم ، دار العقيدة ، القاهرة ( 2002م ) .

4- الراغب الأصفهاني : مفردات ألفاظ القرآن ، دار القلم ، دمشق ( 1997م ) .

5- المنظمة العربية للتراث والثقافة والعلوم بالوطن العربي ، التربية البيئية في مناهج التعليم العام بالوطن العربي ، تونس ( 1987 ) .

6- سامح غرايبة ، ويحيى فرحان : المدخل إلى العلوم البيئية ، دار الشروق للنشر والتوزيع : عمان الأردن ( 1987م ) .

7- صبري الدمرداش : التربية البيئية ، دار المعارف ، القاهرة ( 1998م ) .

8- ريتشارد دوكنز : الجديد في الانتخاب الطبيعي ( بيولوجيا ) ( مترجم ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ( 2002م ) .

9- فرانسيس أندور : علم النفس البيئي ( مترجم ) ، مطبوعات جامعة الكويت ، الكويت ( 1998 ) .

10- محمد السيد أرناؤوط : الإنسان وتلوث البيئة ، الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ( 1999 ) .

11- محمد فؤاد عبد الباقي : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، دار الريان للتراث ، القاهرة ( بدون ) .

12- نظمي خليل أبو العطا موسى : الإسلام والتربية البيئية ، مجموعة مقالات منشورة في جريدة أخبار الخليج ، البحرين ( 1998-2002 ) .

13- ــــــــ : عجائب الكائنات الحية في نفائس المخطوطات الإسلامية ، مجموعة مقالات منشورة في جريدة الخليج ، أبو ظبي ( 1990 ) .

14- ــــــــ : آيات معجزات من القرآن الكريم وعالم النبات ، مكتبة النور ، القاهرة ( 2002م ) .

15- _________ : الإعجاز النباتي في القرآن الكريم ، مكتبة النور ، القاهرة ( 2002م ) .

16- ـــــــ : الماء ومعجزة الحياة ، مكتبة النور ، القاهرة ( 1996م ) .

17- ـــــــ : حقوق الجنين في الإسلام ، مقال منشور في جريدة أخبار الخليج ، البحرين ( 2001م ) .

18 ـــــــ : وآخرون ، الكائنات الحية والبيئة ( 1 ) ، وزارة التربية والتعليم ، البحرين ( 1992 ) .

19- ـــــــ : وآخرون ، الكائنات الحية والبيئة ( 2 ) ، وزارة التربية والتعليم ، البحرين ( 1992م ) .

20- وفاء سلامة : التربية البيئية لطفل الروضة ( رسالة دكتوراه ) ، دار الفكر العربي ، القاهرة ( 1998م ) .

21- يوسف القرضاوي : مجموعة مقالات عن الإسلام والبيئة منشورة في جريدة الخليج : أبو ظبي ( 1422هـ ) .

 مملكة البحرين في يوم الثلاثاء 24/رجب / 1423هـ ، الأول من أكتوبر 2002م .




 

الصفحة الرئيسة





 


المجموع : 648594
زوار اليوم : 485

 
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان
 
كل المنشور على موقع الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى سبق نشره وتوثيقه في جرائد الخليج الإماراتية، والشرق القطرية وأخبار الخليج البحرينية والأيام البحرينية، وعالم الغذاء السعودية وغيرها وكتب الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى وحقوق النشر محفوظة