فقه التمكين العلمي العملي -موقع الدكتور نظمي خليل أبو العطا
   
تربية و تعليم >> فقه التمكين العلمي العملي
 
 
.
01/04/2008
فقه التمكين العلمي العملي
 
 
 
 

من الأحاديث النبوية الصحيحة والمطهرة التي تعلم المسلمين فقه التمكين العلمي والعملي وتحث عليه ما رواه أبو موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "  مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكانت منها نقية قبلت الماء , فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب – في رواية إخاذات - أمسكت الماء , فنفع الله بها الناس ، فشربوا ، وسقوا ، وزرعوا – في رواية ورعوا - وأصاب منها طائفة أخرى , إنما هي قيعان ، لا تمسك ماء و لا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به , فعَلِمَه وعلّمه ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " رواه البخاري ومسلم والنسائي.

في هذا الحديث ، كما قال الدكتور محمد بن خليفة التميمي حفظه الله في بحثه العلمي القيم حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته (ص:199) .

قال : في هذا الحديث قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس – فما يتصل بدعوته – إلى ثلاثة أقسام ، وشبه العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلاً منهما سبب الحياة ، فالغيث سبب حياة الأبدان ، والعلم سبب حياة القلوب وشبه القلوب بالأودية كما في قوله تعالى : " أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها " [الرعد: 17] .

وكما أن الأراضين ثلاث بالنسبة إلى قبول الغيث ، إحداها : أرض زكية قابلة للشراب والنبات فإذا أصابها الغيث ارتوت ، ومنه يثمر النبت من كل زوج بهيج ، فذلك مثل القلب الزكي الذكي (السليم) ، فهو يقبل العلم بذكائه ، فيثمر فيه وجوه الحكمة ودين الحق بزكاته ، فهو قابل للعلم مثمر له ولفقهه وأسرار معادته والثانية : أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها (من الماء) وحفظه ، فهذه تنفع الناس لورودها ، والسقي منها والازدراع .

وهو مثل القلب الحافظ للعلم يحفظه كما سمعه فلا تصرف فيه ، ولا استنباط ، بل للحفظ المجرد فهو يؤدي كما سمع ، وهو من القسم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه غير فقيه " حديث صحيح أخرجه ابن ماجة والحاكم .

فالأول : كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب بما له ما شاء .

والثاني : مثل الغني الذي لا خبرة له بوجود الربح والمكسب ، ولكنه حافظ لماله يحسن التصرف والتقلب فيه .

والأرض الثالثة : أرض قاع ، وهو المستوى الذي لا يقبل النبات ، ولا يمسك ماء ، فلو أصابها المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم والفقه والدراية ، وإنما هو بمنزلة الأرض البور التي لا تنبت ولا تحفظ ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالا .

فالأول : عالم معلم ، وداع إلى الله على بصيرة فهذا من ورثة الأنبياء .

والثاني : حافظ مؤدٍ لما سمعه ، فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر .

والثالث : لا هذا ولا هذا ، فهو الذي لم يقبل هدى الله ، ولم يرفع به رأسًا (انتهى).

وهذا الحديث إخوة الإسلام ركيزة من ركائز التمكين للمسلمين في الأرض ، فإن أردنا التمكين علينا بالهدى والعلم ، الهدى للبناء الخلقي الروحي ، والعلم للبناء العقائدي وتعمير الكون بنواميس الله في الخلق .

علينا البحث عن طلابنا المتميزين وعن كوادرنا العلمية ، القادرة على التعلم وتطبيق العلم ونفع الأمة به ، هؤلاء هم قاطرة الأمة نحو التقدم ، والعلم هنا هو العلم النافع علوم الشريعة وعلوم الطبيعة ، العلوم الشرعية والعلوم الكونية ، بالعلوم الشرعية نبني الأخلاق ونتعلم الإخلاص ، وبالعلوم الكونية ننتفع بالعلم وننفع الناس به ، فلا سبيل لتقدمنا إلا بالعلم حتى نكون كالأرض الطيبة ، تنتفع بالعلم النافع وتنتج ما ينفع البلاد والعباد ، وخلاف ذلك فلا نهضة علمية ، ولا تمكين في الأرض ، ولا تجديد للدين ، ولا حماية لنا من أعدائنا .

كما علينا أن نهتم بالعلوم النافعة رواية ودراية كل في مجال تخصصه الدقيق ، عالم النبات في دراسة النبات وفقهه ، وعالم الكيمياء في دراسة علم الكيمياء وفقهه , وكذلك عالم الجيولوجيا ، والفيزياء ، والفلك والاقتصاد ، والتربية والتعليم ، والهندسة والطب .

وعلينا أن نهتم بحفظ العلوم ومصادر التعلم ونقل العلوم للجميع ، حتى يستفيد منها الذكي ، الفقيه ، العاقل ، وعلينا بنشر العلم النافع بين أبناء الأمة وكما قال عبدالله بن المبارك رحمه الله : كن عالمًا أو متعلمًا ، أو مستمعًا ، أو محبًا ولا تكن الخامس فتهلك ، فالأمة التي تتعلم وتتقن العلم ترتقي وتتمكن ، ومن يُعرض أجيالها عن التعليم والتعلم والاستماع للعلم وحب العلم هي أمة هالكة لا محالة والعياذ بالله .

لا مخرج لنا ، ولا تمكين إلا بالعلم والتعلم ، وفقه العلم وتطبيقه للنفع به نفع الأرض الطيبة والأرض الجاذبة الحاجزة للماء ، والعلم هنا يشمل كل العلوم النافعة ، لا مخرج لنا إلا بتعمير الكون بنواميس الله في الخلق وفق منهاج الله وشرع الله ، وليكن شعار متعلمينا قول الإمام الشافعي رحمه الله :

اصبر على مر الجفاء من معلم

                           فإن رسوب العلم في نفراته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة

                           تجرع ذل الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابه

                           فكبر عليه أربعًا لوفاته

وذات الفتى والله بالتعلم والتقى

                           إذن لم يكونا لا اعتبار لذاته

ونحن لا نوافق الإمام الشافعي رحمه الله في قوله :

كل العلوم سوى القرآن مشغلة

                           إلا الحديث وعلم الفقه في الدين

علم ما كان في قال حدثنا

                           وما سوى ذاك وساوس الشيطان

علينا أن نعلم أن الكتاب والسنة يحثان العبد على العلم النافع والعمل الصالح ، وليست العلوم الأخرى وساوس الشيطان هل علوم الطب ، والوراثة ، والفلك ، والحاسوب ، والكيمياء ، والفيزياء ، وغيرها وساوس الشيطان ؟

علينا أن نقلع من تربية أبنائنا هذا الفصام بين العلوم الكونية والعلوم الشرعية . علينا أن نعلم أن العلم النافع يشمل كل العلوم الشرعية والكونية ، وعلينا أن نعلمهم أن الاختراعات العلمية صدقات جارية ينتفع بها العبد بعد موته " أو علم نافع ينتبع به " ، وبناء السوق مهم كبناء المسجد ، فقد بدأ المصطفى ، صلى الله عليه وسلم ، ببناء المسجد وبناء السوق والمسجد كان للصلاة ، والعلم ، والاجتماعيات والتدريب ( كما فعل الأحباش في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وتجييش الجيوش ، واستقبال الوفود ، والتشاور في أمور المسلمين , والسوق للاقتصاد والتجارة وتثمير الأموال. وتأمين الإنسان أهم من تأمين الجدران ، لذلك وجب بناء المصحات ، والمدارس ، والنوادي ، والمراكز الثقافية ، والمسارح الإسلامية ، ودور العرض الإسلامية , إذا وصلنا إلى هذا مكننا الله كما مكن للمسلمين من قبلنا . ( وللحديث بقية بإذن الله ).

 

أ‌.      د. نظمي خليل أبو العطا موسى

www.nazme.net

 

العدد (10769) الاثنين 5 رمضان 1428هـ - 17 سبتمبر 2007م

أخبار الخليج .

 




 

الصفحة الرئيسة





 
 
 
 
 
 


المجموع : 1439087
زوار اليوم : 43

 
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان
 
كل المنشور على موقع الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى سبق نشره وتوثيقه في جرائد الخليج الإماراتية، والشرق القطرية وأخبار الخليج البحرينية والأيام البحرينية، وعالم الغذاء السعودية وغيرها وكتب الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى وحقوق النشر محفوظة