الأسرة ودورها في التربية الحضارية -موقع الدكتور نظمي خليل أبو العطا
   
تربية و تعليم >> الأسرة ودورها في التربية الحضارية
 
 
.
20/06/2009
الأسرة ودورها في التربية الحضارية
 
 
 
 

 

أعد الدكتور هاشم بن علي الأهدل رسالة دكتوراة في قسم التربية بكلية العلوم الاجتماعية في الرياض نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (2007م) عن أصول التربية الحضارية في الإسلام , تضمنت العديد من الموضوعات المهمة واللازمة لتربية أجيال الأمة ، ومنها دور الأسرة في التربية الحضارية التي اعتمدنا عليها في إعداد المقال .

والتربية الحضارية تعني بناء الأجيال القادرة على تحقيق التفوق في مجالات الحياة المادية والمعنوية , وتهتم التربية الحضارية بتربية الأجيال على الأخذ بأسباب الحضارة والتقدم والاتصال بالأمم المتفوقة ماديًا والاستفادة منها وإفادتها مع مراعاة الأسس والأهداف الخاصة بأمتنا وعقيدتنا , وبذلك نستطيع أن نربي الأجيال القادرة على النهوض والترقي بأمتنا في مجالات الحياة المختلفة في ضوء الإسلام ، وللمؤسسات التربوية دور رئيس ومهم في التربية الحضارية وفي مقدمتها الأسرة ، حيث تهتم الحضارة الراشدة بالبناء الأسري وبتدعيم أركانه فمن الأسرة يخرج الأفراد الذين يقيمون كيان الحضارة ويعززون أركانها .

ولقد اهتمت الحضارة الإسلامية بالأسرة اهتمامًا كبيرًا سواء في منشئها أو المحافظة عليها, ووفرت الشريعة الإسلامية كمًا وكيفاً هائلاً من الآداب والتشريعات الربانية المتعلقة بالأسرة , وتشمل الأسرة المسلمة الزوجين والأولاد والأصول من الآباء والأمهات والأرحام فيدخل فيها الأجداد والجدات وفروع الأبوين .

ومن دور الأسرة في تأصيل التربية الحضارية الحرص على صلاح الأسرة وتقوية الأواصر الأسرية لدعم الكيان الحضاري ، ولاشك أن استقرار الأسرة وقوتها وصلاحها يظهر أثاره في المجتمع لأنه إذا كثر الصالحون عم الأمن والسلام ، وظهر التراحم والتعاطف بين الأفراد , وتفرغ الجميع للإعمار والبناء . وقد حذر الله تعالى المسلمين من التدابر والتقاطع بين الأرحام والأقارب. قال تعالى : " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ{22} " [محمد: 22] .ففي قطع الأرحام تقويض لكيان الأسرة وإفساد هذه الحياة ، بعكس الصلة والتواد والتراحم التي تجلب صلح الأرض وإعمارها .

وتعتبر المحافظة على خصائص الأسرة بالمفهوم الحضاري الإسلامي المطلب الرئيس للمحافظة على كيان الحضارة ، وقد أثبت التاريخ أن مخالفة الفطرة الإنسانية وما يلبي حاجاتها يسبب انحلال الأسرة وتفككها ، وهو بداية انحلال الحضارة وزوالها ، أما عندما يحافظ المربون والمشرعون والمتنفذون بالأسرة كان ذلك أدعى أن تحافظ الأمة على وحدتها وتماسكها وثبات بنيانها . لذلك كان الواجب التربوي أن تهتم الأسرة المسلمة بخصائصها التي أوجبها الله تعالى وتربي أجيالها على ذلك .

ويرفض الإسلام كل أشكال تكوين الأسرة بعيدًا عن الزواج الشرعي بضوابطه الشرعية ، حيث يعتبر الزواج والتناسل داخل الأسرة أحد مقاصد الشريعة الإسلامية في تلبية النداء الفطري الغريزي وإشباع هذه الغريزة وفق الضوابط الشرعية ، كما قال تعالى : " وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ{72} " [النحل: 72] . ومن هنا يرفض الإسلام التكوين الشاذ للأسرة القائم على غير الزوج والزوجة . وعلى الدول الإسلامية أن تضع الحلول العلمية العملية للمشكلات السكانية , وذلك بحسن استغلال الموارد البشرية والاقتصادية المتاحة والتربية الحضارية للأجيال لتتمكن المجتمعات من التغلب على مشكلاتها السكانية ، وغرس مفهوم الوحدة والتراحم والتكافل والتكامل بين المجتمعات العربية مع التوعية بأهمية الاقتصاد والاستثمار والبعد عن التبذير والإسراف والهدر وصرف الأموال في غير مواضعها الضرورية .

 كما يرى الباحث الدكتور هاشم الأهدل أن أول ما نحتاج إليه لبعث الحضارة الإسلامية أن ننشئ أبناءنا منذ نعومة أظفارهم وهم متمسكون بدينهم ، معتزين به ، لا يصرفهم عنه أي صارف ويتربى كل فرد منهم على تقوى الله ومراقبته أينما كان كما قال تعالى : " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً{9} "  [النساء: 9] .

وهنا يأتي دور الأسرة متمثلة في الوالدين اللذين يقع عليهما التوجيه والتنشئة والقيام بحق الأمانة المعلقة في أعناقهم يقول صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه أو يشركانه " رواه مسلم .

فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تهيئ المناخ المناسب لتربية الأجيال وتجعلهم يستفيدون من المؤسسات التربوية الأخرى في المجتمع ، والأسرة التي تحرص على تكوين شخصية أبنائها تكوينًا سليمًا يتوافق مع قابليتهم واهتماماتهم تساهم فعلاً في تأسيس لبنات نافعة في الكيان الحضاري المنشود ، يقول الكاتب أكرم العمري في التراث والمعاصرة : إن نقل العقيدة وموروثات التقاليد والعادات واللغة والأدب تتم أولاً في فترة الحضانة داخل البيت ، فلنحصر على أن تكون بيوتنا الحاضنة مليئة بالحق والخير والجمال ، ضمانًا لجيل المستقبل وأداء لأمانة تربيته وفوزًا يرضى الله وعظيم ثوابه ، وقد أوضح علماء النفس والتربية أن شخصية الطفل تتحدد معالمها وتكتسب أهم صفاتها وأبرز ملامحها في السنوات الست الأولى .

ومن أول ما ينبغي أن يكون عليه الآباء هو أن يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم في الإيمان والعلم والعمل قال تعالى : " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ{21}" [الطور: 21] .

وعلى الوالدين المتابعة والتعاون بينهما وسائر أفراد الأسرة ، وعدم التناقض في التوجيهات وتجنب الخلاف والنزاع بين الوالدين أمام الأولاد .

وعليهما تعلم وفهم المراحل العمرية للأبناء والفروق الفردية بينهم من حيث القدرات والمواهب الجسمية والعقلية ، وتعميق التربية الإيمانية في نفوس الأبناء ، مع العناية بالتربية الجسمية والصحية والنفسية ، والاهتمام بالتربية العقلية والعلمية والمحافظة على مشاعرهم وعواطفهم وإشباع حاجاتهم للتقدير والاحترام ، مع حسن التنشئة الاجتماعية وتربيتهم على التعامل الحسن مع الآخرين والتشجيع على العلم المثمر البناء وعدم احتقار العمل اليدوي وتعريفه بالحدود والضوابط التي ينبغي الالتزام بها فيما يتعلق بأمور الفرج والإنجاب ، وتعليمه ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله لصيانة الأعضاء التناسلية وماهية السلوك الذي ينبغي أتباعه لصيانة عقله وتفكيره .

ويقع على الأسرة مسئولية التعرف إلى الأطفال الموهوبين في الأسرة ومساعدتهم لتنمية مواهبهم وقدراتهم وتنمية الإبداع لديهم للتوصل إلى إنتاج متنوع وجديد في محيط الأسرة ليكون ذلك خطوة أولية للإبداع مستقبلاً , وعلينا أن نعلمهم أهمية الإتقان في أداء الأعمال .

في العموم البحث مهم ومفيد في مجال التربية الحضارية في بلادنا العربية والإسلامية وهذا ما حدانا إلى الاهتمام به .

 

 

أ.د. نظمي خليل أبو العطا موسى

www.nazme.net

جريدة أخبار الخليج (العدد 10968) –  الأسرة والمجتمع

الخميس 26 ربيع الأول 1429هـ الموافق 3 إبريل 2008م




 

الصفحة الرئيسة





 
 
 
 
 
 


المجموع : 1449547
زوار اليوم : 163

 
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان
 
كل المنشور على موقع الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى سبق نشره وتوثيقه في جرائد الخليج الإماراتية، والشرق القطرية وأخبار الخليج البحرينية والأيام البحرينية، وعالم الغذاء السعودية وغيرها وكتب الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى وحقوق النشر محفوظة